أزمور..... حوار بيني و بين قلبي عند ضفة ام الربيع
سألتُ نفسي وأنا أعبر أزقة أزمور القديمة:
لماذا تبدو هذه المدينة حزينةً إلى هذا الحدّ… رغم أنها لم تُهزم
يومًا؟
فأجابني صوتٌ داخليٌّ يشبه أمّ الربيع: “لأن بعض المدن لا يُتعبها الفقر… بل يُتعبها النسيان.”
صمتُّ قليلًا.
بقلم سعيد حركات
كنتُ أراقب الجدران العتيقة،
الأبواب الخشبية المتعبة،
والوجوه التي تمشي ببطءٍ كأنها تحمل عمرًا إضافيًا فوق أكتافها.
ثم سألتُه: كيف لمدينةٍ بهذا العمق أن تصبح هامشًا؟
ضحك الصوت داخلي بسخريةٍ مريرة وقال: “لأن هذا الوطن أحيانًا يصفّق للمدن التي تصرخ… وينسى المدن التي صنعت المعنى بصمت.”
شعرتُ بشيءٍ يوجعني.
قلتُ له: لكن أزمور ليست مدينةً عادية…
هنا مرّ التاريخ،
وهنا اختلط النهر بالبحر،
وهنا خرج المجذوب ومصطفى الأزموري،
وهنا عاش أناسٌ كانوا يشبهون القصائد القديمة.
فقال لي: “أعرف…
لكن التاريخ وحده لا يحمي المدن.”
ثم أضاف بصوتٍ منخفض: “في المغرب، لكي تنجو مدينة، لا يكفي أن تكون عظيمة…
يجب أن يكون لها من يتحدث باسمها في القاعات الكبيرة.”
نظرتُ نحو أمّ الربيع.
كان الماء يتحرك ببطءٍ كأنه شيخٌ متعب يعرف الحقيقة منذ زمن.
قلتُ له: إذن أزمور ضحية السياسة؟
فردّ عليّ بسرعة: “لا… أزمور ضحية الوفاء لنفسها.”
لم أفهم.
قال: “هي مدينةٌ لم تعرف كيف تتحول إلى ضجيج.
لم تُتقن لعبة الواجهات،
ولم تدخل سباق التلميع.
كانت تؤمن أن القيمة الحقيقية تسكن الإنسان… لا البنايات.”
أطرقتُ رأسي قليلًا.
ثم سألت: ولماذا أشعر وأنا هنا أن المكان ما يزال حيًّا رغم كل شيء؟
ابتسم الصوت داخلي لأول مرة: “لأن المدن الحقيقية لا تموت بسهولة.”
وأشار إلى ملعبٍ بعيد، ثم قال: “أنظر إلى أولئك الفتيان الذين يركضون خلف الكرة…
أتظنهم يلعبون فقط؟
إنهم يحاولون الهروب من التهميش.”
ثم أضاف: “وأنظر إلى ذلك الرسام قرب السور،
وإلى الموسيقي الذي يعزف في صمت،
وإلى الحرفي الذي ما يزال يقاوم الزمن بيديه…
هؤلاء هم قلب أزمور الحقيقي.”
شعرتُ فجأة أن المدينة ليست حزينة كما كنت أعتقد.
كانت فقط متعبة.
متعبة من الانتظار.
قلتُ له: وهل يمكن أن تعود أزمور كما كانت؟
طال الصمت هذه المرة.
حتى أمّ الربيع بدا كأنه توقف عن الكلام.
ثم جاءني الجواب هادئًا: “المدن لا تعود إلى الماضي…
لكن يمكنها أن تستعيد روحها.”
قلت: وكيف يحدث ذلك؟
فقال: “حين يتوقف أبناؤها عن التعامل معها كذكرى… ويبدؤون في معاملتها كمستقبل.”
ثم أردف بنبرةٍ حاسمة: “أزمور لا ينقصها التاريخ،
بل ينقصها من يؤمن أن التاريخ يمكن أن يتحول إلى مشروع حياة.”
بدأ الغروب يهبط على المدينة ببطء.
الأضواء القليلة انعكست فوق الماء،
والريح القادمة من جهة البحر حملت شيئًا يشبه الحنين.
وقبل أن أغادر، سألتُ صوتي الداخلي آخر سؤال: هل ما تزال أزمور قادرةً على الحلم؟
فأجابني دون تردد: “أزمور لم تتوقف يومًا عن الحلم…
لكنها سئمت أن تحلم وحدها.”




